نصر حامد أبو زيد
94
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
سوى التوفيق بافتراض تأخر النص عن الحكم . ويمكن ادراج آية « لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد » ضمن هذا الإطار . ويمكن أيضا أن نشير إلى ما ورد في قول ابن الحصار رواية عن عائشة أن قوله تعالى « وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً » نزلت في المؤذّنين رغم أن الآية مكية . لكن المثال الأوضح هو ما يرويه السيوطي عن ابن مسعود تفسيرا لآية مكية هي قوله تعالى : قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : « قل جاء الحق » قال : السيف ، والآية مكية متقدمة على فرض القتال . ويؤيد تفسير ابن مسعود ما أخرجه الشيخان من حديثه أيضا قال : دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود كان في يده ويقول : جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا . وما يبدئ الباطل وما يعيد « 1 » . 3 - المصدر الثالث والأخير هو الخلط بين « مناسبة » النزول وبين سياق آخر يعاد فيه الاستشهاد بالنص مرة أخرى ، فيظن الراوي أن النص نزل سابقا على سببه ، ويأتي العالم في مرحلة أخرى فيرى امكانية تقدم نزول النص على حكمه ومناسبته . مثال ذلك ما يرويه السيوطي أيضا أن عمر بن الخطاب حين نزل قوله تعالى : « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » قال : أيّ جمع ؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في آثارهم مصلتا بالسيف يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر فكانت ليوم بدر « 2 » . ولكن سياق الآية في سورتها يكشف أنها تتضمن مقارنة بين آل فرعون وبين مشركي مكة ، وهي مقارنة يمكن تلمسها من انتقال النص من قصة آل فرعون إلى تهديد أهل مكة : ولقد جاء آل فرعون النذر . كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر . أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر . أم يقولون نحن جميع منتصر . سيهزم الجمع ويولون الدبر . بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر « 3 » . وهو انتقال ينكشف من خلال « الالتفاف » المتكرر من الغيبة إلى خطاب المؤمنين إلى خطاب الكفار ثم إلى الغيبة مرة أخرى في حركة سريعة . وبالإضافة إلى ذلك فان التوعد
--> ( 1 ) الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 36 . ( 2 ) الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 36 . ( 3 ) سورة القمر : الآيات 41 - 44 .